كلمة العميد

            إلى طَلَبَةِ الآداب أَحِبَّتي، أَبنائي تَحِيَّةً مُفْعَمَةً بِالوُدِّ، يَفوحُ مِنها الطّيب، وَتَتَدَثَّرُ بِثَوْبِ العِلْمِ وَالمَعْرِفَة، تَحِيَّةً أَساسُها الابْتِكارُ وَقاعِدَتُها الإبداع، تَحِيَّةً إنسانِيَّةً مُعَطَّرَةً بِعَرَقِ الآباءِ وَدُعاءِ الأُمَّهاتِ وَآمالِ الأَساتِذَة، تَحِيَّةً تَحْمِلُ في طَيّاتِها نَفْحَ الآداب، وَتَنْتَشي بِعَبيرِ العَرِبِيَّةِ وَعَراقَةِ التّاريخِ وَأَصالَةِ الجَغرافيا، تَحِيَّةً تُسَطِّرُ في سَماءِ الفَلْسَفَةِ سُطورا، وَتَحْفِرُ لَها في صَفْحَةِ عِلْمِ النَّفْسِ حُضورا، وَتَرْسُمُ في سِفْرِ عِلْمِ الِاجتِماعِ وَالعَمَلِ الِاجتِماعيِّ لَوْحاتٍ وَخُطوطا،تَحِيَّةً لَكُمْ جَميعًا مِنْ كُلِّيَّتِكُمُ الأُمِّ؛ التي ما فَتِئَتْ تَحْتَضِنُكُم، وَمَا انْفَكَّتْ تَنْظُرُ إلَيْكُمْ وَأنْتُمْ تَرْسُمونَ أَيّامَها بِجَميلِ أَلْوانِكُم، وَتَكْتُبونَ سيرَتَها بِأَريجِ أَنْفاسِكُم، وَتَشْرَئبّونَ بِها إلى السَّماءِ عَبْرَ الفَضاءِ مُحَمَّلينَ بِعَبيرِ فُصولِكُمْ وَضَوْعِ مُحاضَراتِكُم، تَحِيَّةً لِفِتْيانِ الآدابِ وَفَتَياتِها الّذينَ يُزَيِّنونَ بَهْوَها بِحُضورِهِم، وَيُجَمِّلونَ مَمَرّاتِها بِحِواراتِهِم، وَيُؤنِسونَ قاعاتِها بِجُلوسِهِمْ فيها، وَأَحيانًا بِشَغَبِهِمُ الجَميل.
 أَحِبَّتي، أَبنائي؛ حاضِرَنا المُشْرِق، وَغَدَنا المُتَأَلِّق تَعْلَمونَ أَنَّ الجامِعَةَ مَحَطَّةُ العُمُرِ الْأَجْمَل، وَهِيَ رَبيعُهُ الْأَفْضَلُ الْمُعَتَّقُ بِأَنْفاسِ الْأَساتِذَةِ وَفِكْرِهِمْ وَسَهَرِهِمْ وَجِدِّهِمْ وَكَدِّهِمْ وَرَغْبَتِهِمْ في أَنْ يَرَوْنَكُمْ وَقَد رَفَعْتُمْ رايَةَ الوَطَنِ خَفّاقَةً، وَحَمَلْتُمْ رِسالَةَ العِلْمِ مِعْطاءَةً. وَلَمّا كُنْتُمْ، وَما زِلْتُمْ، مَشاعِلَ يَسْتَضئُ بِها النَّهار، وَما بَرِحْتُمْ تَسْعَوْنَ إلى العِزِّ وَالفَخار، فَإنَّ جامِعَتَكُمْ تَرْنو إلَيْكُمْ مُؤمِّلَةً فيكُمُ الخَيْرَ الكَثير، وَمُتَطَلِّعَةً إلى أَنْ تَتَبَوَّؤوا المَنْزِلَةَ الفُضْلى وَتَحوزوا العِلْمَ الوَفير، فَهَلُمُّوا إلَيْها أَيُّها الحامِلونَ إرْثا، الطّالِعونَ فَجْرا، وَهَيّا ادخُلوها مُسَبِّحين، فَطوفوا حَوْلَ مَكْتَبَتِها، وَاسْعَوا بَيْنَ سَرْوِها وَصَنَوْبَرِها، وَقِفوا في مِحْرابِها ضارِعين.
 أَيا أبناءَ الأُرْدُنِيَّة
 اعْلَموا أَنَّ جامِعَتَكُمْ تتَطَلُّعُ إلى إسْهاماتِكُمْ، وَأَنَّها تَتَسَلَّحُ بِرُؤاكُمْ؛ وَتَسْعى ثُمَّ تَسْعى إلى أَنْ تَعْبُرَ بِكُمْ نَفَقَ الزَّمان، وَتَحْرِصُ ثُمَّ تَحْرِصُ عَلى أَنْ تَخْطُوَ بِكُمْ عَبْرَ المَكان. وَهِيَ إذْ تَعي أَنَّها الوَطَنُ بِكُلِّ تَفْصيلاتِه، وَأَنَّها عَقْلُ الدَّوْلَةِ وَذاكِرِتُها التي لا تَمَّحي، فإنَّها تُؤكِّدُ بَقاءها عَلى العَهْدِ مَهْما طالَ الزَّمَن، وَتُعْلِنُ اسْتِمْرارَها في تَذْليلِ التَّحَدِّياتِ وَفِي الانْتِصارِ عَلى المِحَن، مُسْتَعينَةً عَلى تَحْقيقِ ذلِكَ بِكُمْ؛ فَأَنْتُمْ ماؤها الذي لا يَنْضَب، وَأَنْتُمْ إيقاعُ نَبْضِها الأَقْرَب، وَأَنْتُمْ ثُمَّ أَنْتُمْ أَحْفادُ ابْنِها وَعاشِقِها وَفارِسِها ناصرِ الدّينِ الأَسَد، الذي غَنّاها مُرَدِّدًا:
قَسَمْتُــــكِ في مُهْجَتـــي
قِسْمَـــةً فَأَنْتِ أَنا، ما لَنـــا فاصِلُ
عَشِقْتُكِ مُذْ أَنْتِ غَيْبٌ خَفِــيٌّ
وَفي خاطِري حُلُـــمٌ خائِلُ
سَهِرْتُ الليالي أُناجِي الدُّجى
وَلَيْسَ سِواكِ هَوًى شاغِلُ
وَهَبْتُـــــكِ أَغْلــــى سِنِيِّ الهـَــــوى
وَمـا لا يَجــــــودُ بـِهِ بــــــاذِلُ
أَيا طَلَبَةَ الآداب
تَعالَوا بِنا فَلْنَنْظُرْ في قَوافِلِ أَبْناءِ الآداب، الذينَ تَخَرَّجوا فيها وَلَمّا تَزالُ قُلوبُهُمْ مُعَلَّقَةً بِها، وَلْنُحَيِّ مَعًا كل من تَرَكوا بَصَماتِهِمْ عَلى وَجْهِها، وَخَلَّفوا آثارَهُمْ في ساحاتِها، وَما رَحَلوا إذْ رَحَلوا، وَلكِنَّهُمْ ارْتَحَلوا فِي الآفاقِ مُحَمَّلينَ بِرُؤاها، وَباعِثينَ فِي الدُّنا روحَها وَنَجْواها، انْظُروا إلَيْهِمْ هُنا يَسيحون، وهُناكَ يَبْنونَ مَجْدًا وَيُعْلون، ما نَكَصوا يَوْمًا وَما خارَتْ قُواهُم، لا وَلا تاهَتْ فِي المَدى خُطاهُم.
 طُلّابي وَطالِباتي
 لَمّا كُنْتُمْ مَبْعَثَ فَخْري وَاعْتِزازي، وَكانَ مَنوطًا بِكُمْ –وَأَنْتُمْ خَيْرُ خَلَفٍ لِخَيْرِ سَلَف- رِفْعَةُ جامِعَتِكُمْ عامَّةً وَكُلِّيَّتِكُمْ خاصَّةً، فَإنَّني أَدْعوكُمْ في هذا المَقامِ –وَلِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ- إلى مُواصَلَةِ جُهْدِكُمْ وَالاسْتِمْرارِ في عَطائكُمْ، وَإلى الحِرْصِ ثُمَّ الحِرْصِ عَلى أَنْ تَظَلّوا سائرينَ في دَرْبِ العِلْمِ دَرْبِكُمْ، وَإلى التَّمَسُّكِ ثَمَّ التَّمَسُّكِ بِالخُلُقِ السَّمْحِ خُلُقِكُمْ، وَلْتَعْلَموا –أَيا رَعاكُمُ اللهُ- أَنَّ آماليَ وَآمالَ أَساتِذَتِكُمْ بِكُمْ مُعَلَّقَة، وَأَنَّ أَحْلامَ وَطَنِكُمْ وَذَويكُمْ في سَمائكُمْ مُحَلِّقَة، فَكونوا كَما عَهِدْناكُمْ، وَامْضوا في سَبيلِكُمْ فَإنّا مَعَكُمْ وَبِكُمْ ماضون.
 
 عَميدُ كُلِّيَّةِ الآداب
 أ.د. مُحمّد القُضاة