استحضرت الجامعة الأردنيّة اليوم، ذاكرة الأمّة ولسان حضارتها الذي شكَّل عبر العصور وعاءً للفكر ورافدًا للمعرفة والثقافة، خلال فعاليّة نظَّمتها كليّة الآداب برعاية عميدها الدكتور محمد القضاة، وبحضور عدد من أعضاء الهيئتين التدريسيّة والإداريّة والطلبة، وذلك احتفاء باليوم العالميّ للغة العربيّة الذي يوافق الثامن عشر من كانون الأوّل من كلّ عام.
واشتملت الفعاليّة، التي نفَّذها قسم اللغة العربيّة في الكليّة، على كلمات وفقرات مسرحيّة وشعريّة، جسَّدت مكانة اللغة العربيّة ودورها في صون الهُويّة.
وقال القضاة في كلمته: «نجتمع اليوم في يوم العربيّة لنجدّد رسالةً لا تشيخ، مفادها أنَّ هذه اللغة ليست ذكرى من الماضي، بل جوهر من جوهر الحاضر، وجسرٌ ممتدٌّ نحو المستقبل»، مؤكِّدًا أنَّ العربيّة ليست حروفًا تُنطَق فحسب، بل روح تسري في الأجيال، ونبض يربط الماضي بالمستقبل، ولافتًا إلى أنَّ الأمة التي صنعت حضارتها بلغتها قادرة على صناعة مستقبلها.
وأضاف أنَّ الجامعات ليست معاقل للمعرفة فحسب، وإنّما معاقل للهُويّة والانتماء، موضّحًا دورها في إحياء اللغة العربيّة وجعلها لغة الفكر والنقاش والبحث والمشروع، ولغة للعلم كما كانت لغة للفلسفة والطب والفلك، معرجًا على تجربة الجامعة الأردنيّة في تعزيز الهُويّة العربيّة، والتي أثبتت أنَّ الإرادة المؤسِّسة قادرة على إعادة البريق للغة، ومنح الطلبة جذورًا راسخة وهم يتّجهون نحو آفاق العلم.
وزاد القضاة أنّه رغم النموذج المضيء الذي تقدّمه الجامعة في تعزيز مكانة اللغة العربيّة، إلا أنَّ الطريق لا يخلو من التحدّيات، أبرزها ضعف استخدام العربيّة في التخصّصات العلميّة والتطبيقيّة، مؤكِّدًا ضرورة مواجهتها بالتمكين والقدوة، داعيًا إلى أن يكونَ يوم اللغة العربيّة مناسبة لإعادة البريق لهذه الجوهرة، ويومًا لتجديد الولاء للغة، ومشدّدًا على أنَّ اللغة التي نحفظها اليوم هي الوطن الذي سيحفظنا غدًا.
من جهته، قال رئيس قسم اللغة العربيّة الدكتور معاذ الزعبي إنَّ اللغة العربيّة شكَّلت عبر التاريخ لغة علم وفلسفة ومنهجًا عقليًّا، وأسهمت في بناء التراث الإنسانيّ حين احتضنت العلوم، ووسّعت آفاق البحث، وأنتجت مفاهيم ما زالت حاضرة في الخطاب العلميّ العالميّ. وأشار إلى أنَّ الجامعة مدعوّة، اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، إلى الاضطلاع بدورها في توطين المعرفة باللغة العربيّة، لا من منطلق الانغلاق، بل من منطلق الانفتاح الواعي الذي يوازن بين الانخراط في العالميّة والحفاظ على لغة قادرة على الاستيعاب والتوليد والابتكار.
وأوضح الزعبي أنَّ اليوم العالميّ للغة العربيّة ليس يوم زينة لغويّة ولا مناسبة بروتوكوليّة، بل صرخة وعي لإعادة العربيّة إلى الجامعة، وإلى البحث والمصطلح، وإلى موقعها الطبيعي لغةً للفكر والعلم والمستقبل، لافتًا إلى أنَّ العولمة والانفتاح على لغات العالم أمر لا مناص منه، لكن ليس على حساب اللغة العربيّة، ولا على حساب حقّ الطلبة في التفكير وإنتاج المعرفة بلغتهم الأم، مؤكِّدًا أنَّ العالميّة الحقة لا تُبنى بالقطيعة مع الذات بل بالانطلاق منها.
وتخلّلت الفعاليّة فقرة شعريّة قدَّمتها الطالبة أسوار العدوان بعنوان «رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي»، تغنّت فيها بجماليّات اللغة العربيّة، إلى جانب عرضٍ مسرحيٍّ بعنوان «صراع القوافي» كتبه الطالب عبداللّٰه داغر، وأشرفت عليه الدكتورة لارا شفاقوح.
وجسّد شخصيّات العرض، الذي حاكى معركة شعريّة في إلقاء الشعر وسرعة نظمه بين كبار شعراء العصر الأمويّ بأسلوبٍ حواريٍّ، كلّ من الطلبة: محمد أعمر في دور الخليفة، وعبداللّٰه داغر في دور جرير، وموسى الشريقي في دور الحاجب، وضياء عمايرة في دور الفرزدق، وعمر الراشد في دور الأخطل، وسط تفاعل لافت من الحضور.